مقالات رأي

عزيز القلا يكتب : صهينة الإقليم وثبات القاهرة .!

المنطقة لم تعد أمام صراعٍ عابر، بل أمام محاولات متواصلة لإعادة تشكيل موازين القوى، وتغيير خرائط النفوذ، وإعادة صياغة وعي الشعوب. وفي قلب هذا المشهد تقف القاهرة، لا كمتفرج، بل كدولة تدرك أن خسارة القرار الوطني أخطر من خسارة أي موقع.
حين تهتز العواصم تُختبر الدول، وحين تتبدل الخرائط يظهر معدنها الحقيقي.
المشهد الإقليمي يفرض على الدولة المصرية حسابات دقيقة؛ فالأمن القومي ليس مجالًا للمغامرة، والسيادة ليست ورقة تفاوض، والاستقرار الداخلي ليس تفصيلًا يمكن التضحية به تحت ضغط اللحظة.
ومن هنا يأتي التعامل مع التحولات بمنطق الدولة، بعيدًا عن الانفعال والاستقطاب. فالمطلوب ليس الدخول في كل معركة، وإنما معرفة أي معركة تستحق المواجهة، وأي موقف يحمي المصالح المصرية دون التفريط في الثوابت العربية.
وفي زمنٍ تتداخل فيه السياسة بالإعلام والاقتصاد والنفوذ، تصبح معركة الوعي جزءًا أساسيًا من معركة الأمن القومي. فالفوضى لا تبدأ دائمًا من الحدود؛ أحيانًا تبدأ من رواية مضللة، أو شائعة، أو محاولة لضرب الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
قد تتغير خرائط النفوذ، لكن الثوابت الوطنية لا ينبغي أن تتغير مع كل موجة سياسية.
وهنا تظهر قيمة الثبات: ألا تنجرف الدولة وراء الضجيج، وألا تسمح في الوقت نفسه بأن تتحول حالة الإقليم المضطربة إلى فرصة لفرض أجندات خارجية.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، وإنما على من يملك حق تحديد المستقبل، ومن يضع أولويات الأمن، ومن يحتفظ بقراره حين تتكاثر الضغوط.
صهينة الإقليم قد تكون محاولة لإعادة ترتيب المنطقة، لكن بقاء القرار الوطني مستقلًا هو الرهان الأكبر.
وفي النهاية، ليست القوة في رفع الصوت، وإنما في امتلاك القدرة على حماية المصالح، وقراءة التحولات، والحفاظ على تماسك الدولة.
القاهرة لا تحتاج إلى ضجيج كي تثبت حضورها؛ يكفيها أن تبقى صاحبة قرارها.
No photo description available.
زر الذهاب إلى الأعلى